ينبغي لمحكمة الاستئناف أن تحقق في شكايات التعذيب في القضية التي تورط فيهاسياسيون معتدلون وآخرون
(نيويورك، 29 ديسمبر/ كانون الأول 2009).
قالت هيومن رايتس ووتش وجمعية عدالة اليوم، وهي منظمة مغربية تعمل من أجلاستقلال القضاء، إن غرفة الجنايات الاستئنافية المختصة بقضايا الإرهاب تستمعاستئنافيا إلى 35 شخصاً سبق أن أدينوا في المرحلة الابتدائية بتهم تتعلق بالإرهاب،وينبغي أن تفصل في ادعاءات بأن الاعترافات تم تزويرها وتم الحصول عليها عن طريقالتعذيب وانتهاكات أخرى لحق المحاكمة العادلة. ومن بين المتهمين خمسة من كبار أعضاءالأحزاب السياسية التي تدعي التزامها باللاعنف والديمقراطية، من بينهم رئيسا حزبين،إضافة إلى مراسل تلفزيوني. وهؤلاء الرجال معروفون في هذه القضية باسم "المعتقلينالسياسيين الستة".
وزير الداخلية، شكيب بنموسى، سبق أن أعلن عن الاعتقالات في 20 فبراير/شباط، 2008وسط ضجة كبيرة في مؤتمر صحفي متلفز . وجذبت القضية اهتماما فوريا لأنها المرةالأولى التي يتهم فيها المغرب زعماء أحزاب إسلامية معتدلة بصلتهم بالإرهاب. الـ 35اتهموا بالتخطيط لشن هجمات لزعزعة استقرار الدولة. زعيم المجموعة المزعوم هو عبدالقادر بلعيرج (52 عاما) من مواليد المغرب مقيم في بلجيكا ومن ذوي الجنسيةالمزدوجة.
وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيهيومن رايتس ووتش: "ألقى الملك محمد السادس خطابا مهما في 20 أغسطس/آب لصالحالإصلاح القضائي، وحث على ما أسماه ‘تعزيز ضمانات استقلال القضاء’". وأضافت: "محاكمة بلعيرج هو اختبار أساسي لما إذا كانت المحاكم قد فهمت الرسالة".
وفي 28 يوليو/تموز، 2009، أدانت غرفة الجنايات الابتدائية المختصة في قضاياالإرهاب بمدينة سلا (قرب الرباط) كل المتهمين الـ 35 بتشكيل تنظيم إرهابي، والتخطيطلشن هجمات وعمليات السطو وارتكاب جرائم أخرى لتمويل عملياتها. وتراوحت الأحكام مابين عقوبة السجن مع وقف التنفيذ والسجن المؤبد. التهم الرسمية المبنية على القانونالجنائي كما عدل بقانون مكافحة الإرهاب للعام 2003 (قانون 03-03 29 مايو/أيار، 2003)، شملت "المس بأمن الدولة الداخلي"، و"تشكيل عصابة مسلحة لمهاجمة الممتلكاتالعامة"،"و تشكيل مجموعة إجرامية لارتكاب أعمال إرهابية"، وحيازة أسلحة ومتفجراتوتزوير وثائق، وغسل الأموال.
مصطفى المعتصم، رئيس البديل الحضاري، والأكثر شهرة من بين المتهمين، قال للصحافةإن إقحام السياسيين الستة، الذين لا سوابق جنائية لديهم، هو تدبير من قبل جهات فيالسلطة لتدمير أو إضعاف الأحزاب السياسية التي تم إقحام أعضائها.
وتجدر الإشارة إلى أنه سبق في 20 فبراير/شباط 2008، بعد يومين من اعتقالالمعتصم أن اتخذ الوزير الأول عباس الفاسي قراراً بحظر البديل الحضاري، وهو حزبإسلامي معتدل شارك في الانتخابات التشريعية لعام 2007.
وأثارت القضية اهتماما أيضا لأن لائحة الاتهام نسبت عددا قليلا جدا من الأعمالالملموسة لما وصفه وزير الداخلية بأهم شبكة إرهابية ممولة جيدا ولها صلات بتنظيمالقاعدة. الأفعال المزعومة كانت تقتصر على محاولة اغتيال واحدة في عام 1996، وبعضعمليات السطو المسلح وعدة سرقات لسيارات - كلها قبل عام 1997. و في المحاكمة، اعترضالمدعى عليهم بشدة على الأدلة، والتي تتألف في معظمها من اعترافاتهم المزعومة علىالجرائم التي يُزعم أنهم ارتكبوها خلال سنوات سابقة علماً بأن العديد منهم قالوابأن التصريحات قد تم تزويرها أو تم الحصول عليها تحت تأثير التعذيب.
مجموعة من أهالي المتهمين "السياسيين" الستة رددت رأي المعتصم الذي مفاده أنالسلطات قد ورطت الرجال زوراً لأسباب سياسية. سعد الدين العثماني، الأمين العامالسابق لحزب العدالة والتنمية، أبرز الأحزاب المعنية في شخص أحد أعضائها، قال إنالمتهمين "السياسيين" معروفين بالاعتدال ونبذ العنف والتطرف، وبالعمل ضمن إطارالمؤسسات الوطنية والمبادئ الوطنية القائمة". وأضاف: "نحن متأكدون من أن هناك نوعامن الخطأ… ونأمل أن يتم تصحيحه".
الـ28 الآخرين من المتهمين من بينهم 26 من غير المعروفين نسبياً من مختلف مدنالمغرب، واثنين من المغاربة الذين كانوا يقيمون في بلجيكا. المتهمون جميعا رهنالاحتجاز منذ عامين تقريبا، باستثناء اثنين يواجهان اتهامات أخف، منحت لهم المحكمةالسراح المؤقت.
وقالت سارة ليا ويتسن: "هناك حاجة لدراسة انتهاكات حقوق المتهمين في المحاكمةالأصلية، والعمل على ضمان العدالة لكل واحد منهم". وأضافت: "ينبغي رفض الأدلة التيتم الحصول عليها من خلال الأساليب المخالفة للقانون".
خلفية عن المحاكمة والاستئناف
|
|
|
’سارة ليا ويتسن’ المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش
|
المتهمون السياسيون:
- المصطفى معتصم، رئيس البديل الحضاري؛
- محمد أمين الركالة، نائب رئيس البديل الحضاري؛
- محمد المرواني، رئيس حزب الأمة، وهو حزب إسلامي معتدل تقدم بطلب التسجيل لكنهلم ينل الوضع القانوني؛
- ماء العينين العبادلة، وهو عضو في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، وهوحزب إسلامي صاحب ثاني أكبر نصيب من المقاعد في مجلس النواب؛
- حميد نجيبي، وهو عضو في المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد؛
- عبد الحفيظ السريتي، وهو صحفي يعمل مع تلفزيون المنار، وهي فضائية تابعة لحزبالله اللبناني.
على أساس محضر بأن بلعيرج، الذي قال في وقت لاحق إنه تعرض للاختطاف لمدة شهروللتعذيب في مركز احتجاز سري قرب الرباط وتم إجباره على التوقيع، حكمت عليه المحكمةفي المرحلة الابتدائية بالسجن المؤبد، ليس فقط لدوره في شبكة إرهابية يزعم أنهشارك في تأسيسها في عام 1992، ولكن أيضا بتهمة ارتكاب ست جرائم قتل ذات دوافعسياسية في بلجيكا في أواخر الثمانينات. علما بأن السلطات البلجيكية لم تتهم بلعيرجبهذه الجرائم، على الرغم من أنها استجوبته مرات عدة على مر السنين.
محكمة الدرجة الأولى حكمت على خمسة من المتهمين "السياسيين" بالسجن لمدد تتراوحبين 20 و 25 سنة والسادس محمد نجيبي، لمدة سنتين.
وبدأت جلسة الاستئناف في 26 أكتوبر/تشرين الأول بغرفة الاستئناف في محكمةالاستئناف في الرباط. بموجب القانون المغربي، فمحكمة الاستئناف تتمتع بسلطة النظرفي قضايا تتعلق بالمسطرة والوقائع في هذه القضية المعروضة عليها، ويمكنها تغييرالأحكام أو تعديل الأحكام التي تصدرها المحاكم الأدنى درجة.
هيومن رايتس ووتش وجمعية عدالة تابعتا العديد من جلسات المحاكمة خلال المرحلةالابتدائية ، التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2008 وانتهت في 28 يوليو/تموز 2009. ولم يصل لعلم أي من المنظمتين، أن المراقبين المحليين والدوليين واجهوا أية عقباتلحضور الجلسات.
وفي 19 سبتمبر/أيلول، 2009، كتبت هيومن رايتس ووتش وجمعية عدالة إلى وزير العدلعبد الواحد الراضي تعربان عن قلقهما إزاء المخالفات المسطرية التي مست حق المتهمينفي محاكمة عادلة. غير أن السلطات المغربية لم ترد.
ودرست هيومن رايتس ووتش وجمعية عدالة حكم المحكمة ذي الـ 603 صفحات، الذي تحصلتاعليه في أواخر سبتمبر/أيلول بعد شهرين من صدور الحكم ، وخلصتا إلى أنه لا يبددالمخاوف التي أعربتا عنها في تلك الرسالة.
بواعث قلق متعلقة بمجريات المحاكمة
في القضية التي ترتكز أساسا على تصريحات المتهمين للشرطة، لم تبذل المحكمة أيجهد لتحديد ما إذا كانت تلك التصريحات قد تم انتزاعها بصورة غير قانونية بالإكراه،على الرغم من أن الكثير من المتهمين أفادوا بأن تلك التصريحات إما تم تزويرها أو تمالإدلاء بها تحت وطأة التعذيب.
وقال محامو الدفاع لـ هيومن رايتس ووتش إن الدفاع قد أثار مزاعم التعذيب فيمختلف مراحل الدعوى، سواء شفويا أو كتابة بواسطة المذكرات التي قدمت إلى المحكمة. وفي حكمها الصادر كتابة أقرت المحكمة بأن بعض المتهمين أطلعوا قاضي التحقيق بتعرضهمللتعذيب، لكنها قالت إنهم لم يطلبوا رسميا من قاضي التحقيق الشروع في إجراء تحقيقاتأو إجراء فحوص طبية لتحديد ما إذا كان المتهمون قد تم بالفعل تعذيبهم.
وتراجع كل المتهمين عن تصريحاتهم للشرطة أثناء المحاكمة، ومعظمهم زعم أنه تعرضللتعذيب أو أن تصريحاته زورت. وما يقرب من الثلثين منهم فعلوا ذلك بالفعل عندمامثلوا أمام قاضي التحقيق، عبد القادر الشنتوف، والعديد منهم أوضحوا للقاضي أنهمصرحوا أو وقعوا على التصريحات تحت التعذيب أو الإكراه.
العديد من المتهمين التمسوا من قاضي التحقيق أو المحكمة، أو كليهما، الأمربإجراء تحقيق في ادعاءاتهم بالتعذيب، بما في ذلك الفحوص الطبية، للتحقق من هذهالمزاعم. وعندما رفض قاضي التحقيق التصرف بناء على طلبهم بالتحقيق، استأنف الدفاع،فقط لتدعم الغرفة الجنحية - التي تبت في الاستئناف- رفض قاضي التحقيق. محكمة الدرجةالابتدائية، برئاسة القاضي عبد العزيز بنشقرون، رفضت طلبات الدفاع لإعادة النظر فيهذا القرار.
الجزء الرئيسي من الأدلة في المحاكمة كان تصريحات مفصلة لبلعيرج نفسه للشرطة،والتي تورط مباشرة المتهمين "السياسيين" الستة، من بين آخرين. بلعيرج في البدايةأكد تصريحاته للشرطة أمام قاضي التحقيق - لأن أحد ممارسي التعذيب ضده كان موجودا فيمكتب القاضي، على حد قوله خلال المحاكمة - ولكن في وقت لاحق تراجع عنها، وقال إنالمحققين عذبوه للتوقيع على "اعترافات" تحتوي على تصريحات كاذبة لا تخصه.
وفي المحاكمة - كما يشير إلى ذلك الحكم الكتابي - ادّعى بلعيرج براءته.وطلب الدفاع من القاضي الرئيس بنشقرون استدعاء قاضي التحقيق للرد على أسئلة حول تلكالجلسة، ولكن القاضي امتنع عن القيام بذلك. ولم تأمر المحكمة بالتحقيق في مزاعمبلعيرج بأن الشرطة قد اختطفته واحتجزته لمدة شهر بمعزل عن العالم الخارجي، وقامتبتعذيبه، أو في مزاعم التعذيب التي أثارها المتهمون الآخرون، سواء أمام قاضيالتحقيق أو أمام المحكمة.
وأدانت المحكمة بلعيرج بتهم تتعلق بتكوين شبكة إرهابية وعمليات القتل في بلجيكابناء على التصريحات التي أدلى بها للشرطة. المحكمة أيضا استخدمت تصريحات بلعيرجللشرطة كدليل ضد المتهمين الآخرين، بما في ذلك المتهمون "السياسيون" الستة.
وكان واجبا على المحكمة فحص ادعاءات التعذيب كلما أثارها الدفاع أثناء المحاكمة،سواء لتحديد مقبولية الأدلة الرئيسية في هذه القضية أو للرد على المزاعم القائلةبأن المسؤولين قد ارتكبوا أعمال تعذيب، والتعذيب جريمة يُعاقب عليها بموجب القانونالمغربي.
واجب المغرب بموجب القانون الدولي واضح جدا - أية أدلة تم الحصول عليها عن طريقالتعذيب يجب ألا يؤخذ بها. القانون المغربي أيضا يؤكد هذا الواجب، في المادة 293 منقانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه "لا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنفأو الإكراه". قانون المسطرة الجنائية ينص أيضا على أنه إذا كان المتهم أو المحاميطلب فحصا طبيا، لا يمكن لقاضي التحقيق رفضه دون إبداء الأسباب (المادة 88 (4)). التعذيب، علاوة على ذلك، جريمة بمقتضى القانون المغربي؛ شكوى بالتعذيب تشكل دليلاعلى جريمة ممكنة ولا يمكن لأي من قاضي التحقيق أو قاضي المحكمة أن يفترض أن لا أساسلها من الصحة.
وقالت هيومن رايتس ووتش وجمعية عدالة إن نزاهة المحاكمة تم المساس بها جوهريابسبب عدم رغبة المحكمة في التحقيق في ادعاءات التعذيب قبل قبول تصريحات للشرطةمتنازع عليها كدليل والتي شكلت العمود الفقري لقضية الادعاء.
وفي محاولة للتشكيك في طواعية التصريحات التي حصلت عليها الشرطة، أشار عبدالرحيم الجامعي، محامي الدفاع، خلال المحاكمة إلى ما اعتبره اتساقا وانسجامامشبوها في أسلوب ومضمون تلك التصريحات، بالنظر إلى خلفيات المتهمين المتنوعة بشكلكبير. تم تذكير المحكمة أيضا بأن اثنين من المتهمين المقيمين في الخارج لا يتحدثانالعربية ولا يفقهانها والبعض الذين لغتهم الأم هي الأمازيغية (البربرية) قد وقعواتصريحاتهم للشرطة على الرغم من أنهم لا يستطيعون قراءة اللغة العربية الفصحى،وكانوا في حاجة إلى مترجمين في المحكمة لمتابعة الوقائع.
بواعث قلق متعلقة بتواريخ الاعتقال والاحتجاز قبل توجيه التهم
زعم العديد من المتهمين أمام المحكمة أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض عليهم قبلفترة طويلة من التواريخ في سجل الشرطة، وتم